قد تُنفذ المهمة نفسها داخل المنشأة بأكثر من طريقة؛ موظف يعتمد على خبرته، وآخر يتبع خطوات مختلفة،بينما يتطلب اتخاذ بعض القرارات الرجوع في كل مرة لمعرفة من يملك صلاحية اعتمادها.
ومع توسع العمل، تتحول هذه الاختلافات الصغيرة إلى تأخير وتداخل في المسؤوليات وصعوبة في الحفاظ على طريقة عمل ثابتة.
هنا تظهر أهمية اعداد السياسات والاجراءات؛ ليس بهدف زيادة عدد الوثائق داخل المنشأة، بل لتحويل طريقة العمل إلى مرجع واضح يحدد الضوابط والمسؤوليات والخطوات التي ينبغي اتباعها عند تنفيذ العمليات المختلفة.
لكن إعداد دليل قابل للتطبيق لا يبدأ بكتابة السياسات مباشرة، بل بفهم ما يحدث داخل المنشأة فعليًا، وتحديد ما يحتاج إلى تنظيم، ثم صياغة السياسات وتوثيق الإجراءات واعتمادها ومتابعة تطبيقها. وفي هذا المقال نوضح هذه المراحل، وما الذي يجب أن يتضمنه دليل السياسات والإجراءات حتى يكون مرجعًا عمليًا للعمل.
ما المقصود بإعداد السياسات والإجراءات؟
إعداد السياسات والإجراءات هو عملية تنظيم وتوثيق القواعد والضوابط وآليات العمل التي تحتاج إليها المنشأة لإدارة عملياتها بصورة واضحة. وتهدف هذه العملية إلى تحديد الإطار الذي يحكم القرارات، وبيان كيفية تنفيذ المهام، وتوضيح المسؤوليات والصلاحيات المرتبطة بها.
ولا يعني ذلك كتابة تعليمات لكل موقف قد يحدث، وإنما تحديد العمليات التي تحتاج إلى مرجعية واضحة، ثم توثيقها بما يتناسب مع نشاط المنشأة وهيكلها وطريقة عملها.
والنتيجة هي منظومة مترابطة من السياسات والإجراءات والنماذج والسجلات، تساعد الموظف على معرفة ما المطلوب منه، وكيف ينفذه، ومن المسؤول عن المراجعة أو الاعتماد.
ما الفرق بين السياسة والإجراء؟
رغم ارتباط المصطلحين، فإن لكل منهما وظيفة مختلفة.
السياسة تحدد الإطار أو المبدأ الذي يحكم التعامل مع موضوع معين، وتوضح ما تسمح به المنشأة أو تشترطه أو تنظمه.
أما الإجراء فيترجم هذا الإطار إلى سلسلة من الخطوات المحددة اللازمة لتنفيذ عملية أو مهمة معينة، مع توضيح المسؤول عن التنفيذ والمراجعة والاعتماد عند الحاجة.
على سبيل المثال، قد تحدد سياسة المشتريات الضوابط العامة للشراء وحدود الصلاحيات، بينما يوضح إجراء الشراء كيف يبدأ الطلب، ومن يراجعه، وكيف تتم الموافقة عليه، وما الخطوات التي تسبق إصدار أمر الشراء.
لذلك يمكن النظر إلى السياسة باعتبارها إجابة عن ما الضوابط التي تحكم العمل؟، بينما يجيب الإجراء عن كيف يُنفذ العمل؟
لماذا تحتاج المنشأة إلى سياسات وإجراءات واضحة؟
كلما اعتمدت طريقة تنفيذ الأعمال على المعرفة الشخصية للموظفين، أصبح من الصعب الحفاظ على أسلوب ثابت عند تغير الأشخاص أو توسع المنشأة أو زيادة عدد العمليات. وهنا توفر السياسات والإجراءات مرجعية مشتركة تساعد على توحيد طريقة العمل بدل تركها للاجتهادات الفردية.
كما تسهم في توضيح الأدوار والصلاحيات، وتقليل التداخل بين الإدارات، وتسهيل انتقال المعرفة إلى الموظفين الجدد، إلى جانب مساعدة الإدارة على معرفة المسار الذي يفترض أن تتبعه العملية عند المراجعة أو معالجة مشكلة تشغيلية.
وتزداد قيمة هذه الوثائق عندما تكون مرتبطة بواقع العمل الفعلي؛ لأن الهدف ليس وجود دليل فقط، بل وجود مرجع يستطيع الموظفون استخدامه أثناء أداء مهامهم.
ما أنواع السياسات والإجراءات داخل المنشأة؟
تختلف أدلة السياسات والإجراءات من منشأة إلى أخرى حسب طبيعة النشاط والحجم والهيكل التنظيمي والعمليات التي تقوم بها، لذلك لا توجد قائمة واحدة تناسب جميع المنشآت.
وقد تشمل السياسات والإجراءات مجالات مثل:
- الموارد البشرية: مثل التوظيف، والإجازات، وتقييم الأداء، وإنهاء العلاقة الوظيفية.
- الشؤون المالية: مثل المصروفات، والعهد، والصلاحيات المالية، وإعداد التقارير.
- المشتريات: مثل طلبات الشراء، والموافقات، والتعامل مع الموردين.
- العمليات: مثل تنفيذ الخدمات، وإدارة الطلبات، ومتابعة الجودة.
- المبيعات وخدمة العملاء: مثل إدارة الفرص، والتعاقد، ومعالجة الطلبات والشكاوى.
- الإدارة: مثل المراسلات، وحفظ الوثائق، والصلاحيات، وآليات اتخاذ بعض القرارات.
- الالتزام والرقابة: وفق المتطلبات التي تنطبق على نشاط المنشأة.
ولا يعني ذلك أن المنشأة تحتاج إلى إعداد جميع هذه الأدلة دفعة واحدة، بل تحدد الأولويات وفق العمليات الأكثر تأثيرًا وحاجة إلى التنظيم والتوثيق.
كيفية إعداد السياسات والإجراءات خطوة بخطوة
لا تبدأ عملية إعداد السياسات والإجراءات باختيار نموذج جاهز والبدء في تعبئته، بل تحتاج أولًا إلى فهم المنشأة وطريقة تنفيذ الأعمال داخلها. ومن ثم تنتقل العملية من التشخيص إلى الصياغة والتوثيق، ثم الاعتماد والتطبيق والمراجعة.
1. تحديد نطاق العمل والأولويات
الخطوة الأولى هي تحديد ما الذي سيشمله مشروع الإعداد؛ فقد يكون المطلوب بناء دليل متكامل للمنشأة، أو البدء بإدارة محددة، أو معالجة مجموعة من العمليات التي تحتاج إلى تنظيم عاجل.
ويُراعى عند تحديد الأولويات حجم تأثير العملية، وعدد الأطراف المشاركين فيها، ومدى تكرارها، والمشكلات الناتجة عن عدم وضوحها.
يساعد ذلك على توجيه الجهد نحو العمليات الأكثر أهمية بدل محاولة توثيق كل شيء في وقت واحد.
2. تحليل العمليات الحالية وتحديد الفجوات
قبل تحديد الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه الإجراء، يجب فهم الطريقة التي يُنفذ بها العمل حاليًا.
ويشمل ذلك مراجعة الوثائق والنماذج المستخدمة، وفهم تسلسل العمل بين الإدارات، والتحدث مع الأشخاص الذين ينفذون العمليات فعليًا، وتحديد نقاط التأخير أو تكرار المهام أو تداخل المسؤوليات.
هذه المرحلة مهمة لأن توثيق العملية الحالية كما هي، دون تقييمها، قد يؤدي إلى تثبيت مشكلات موجودة بالفعل بدل معالجتها.
3. تحديد السياسات والإجراءات المطلوبة
بعد فهم الوضع الحالي، يمكن تحديد الوثائق التي تحتاج إليها كل عملية.
فبعض الموضوعات تحتاج إلى سياسة تحدد الضوابط العامة، بينما تحتاج العمليات التنفيذية إلى إجراءات وخطوات محددة. وقد تتطلب العملية أيضًا نموذجًا أو سجلًا لتوثيق التنفيذ أو الموافقة.
يساعد هذا التصنيف على تجنب إنشاء وثائق متكررة أو كتابة إجراء في موضع يحتاج في الأساس إلى سياسة، والعكس.
4. صياغة السياسات
تُكتب السياسة بطريقة واضحة تحدد الغرض منها، ونطاق تطبيقها، والضوابط التي تحكم الموضوع، والمسؤوليات والصلاحيات المرتبطة بها.
ويجب أن تكون الصياغة محددة بما يكفي لتوجيه القرار، دون الدخول في التفاصيل التنفيذية التي يفترض أن تظهر في الإجراءات.
كما ينبغي تجنب العبارات التي يمكن تفسيرها بأكثر من معنى، والتأكد من عدم وجود تعارض بين السياسة وغيرها من السياسات المعتمدة داخل المنشأة.
5. توثيق الإجراءات وخطوات العمل
بعد تحديد الإطار الذي تحكمه السياسة، يأتي دور توثيق طريقة التنفيذ.
يجب أن يوضح الإجراء نقطة بداية العملية، والمدخلات المطلوبة، وتسلسل الخطوات، والمسؤول عن كل خطوة، ونقاط المراجعة أو الاعتماد، والمخرجات المتوقعة، وأي نماذج أو سجلات مرتبطة بالعملية.
وفي العمليات التي تنتقل بين أكثر من إدارة، من المهم توضيح نقطة انتقال المسؤولية من طرف إلى آخر حتى لا توجد مراحل معلقة لا يعرف من المسؤول عنها.
وعندما تكون العملية طويلة أو تتضمن عدة مسارات، يمكن الاستعانة بمخطط سير العمل لتسهيل فهم تسلسلها إلى جانب الوصف المكتوب.
6. مراجعة السياسات والإجراءات واعتمادها
قبل الاعتماد، تحتاج المسودات إلى مراجعة من الأطراف المرتبطة بالعملية للتأكد من أن ما كُتب يعكس طريقة عمل قابلة للتطبيق، وأن المسؤوليات والصلاحيات واضحة.
وقد تتطلب بعض السياسات مراجعة متخصصة بحسب موضوعها والمتطلبات التي تخضع لها المنشأة.
بعد الانتهاء من المراجعة والتعديلات، يتم اعتماد الوثائق من صاحب الصلاحية وفق آلية الاعتماد المعمول بها داخل المنشأة، مع تسجيل بيانات الإصدار وتاريخ الاعتماد.
7. تنظيم السياسات والإجراءات في دليل موحد
بعد اعتماد الوثائق، يتم تنظيمها بطريقة تسهّل الرجوع إليها وإدارتها.
ويشمل ذلك تصنيف السياسات والإجراءات حسب الإدارات أو الموضوعات، ومنح الوثائق أرقامًا أو رموزًا واضحة، وتوحيد طريقة عرضها، وربط كل إجراء بالنماذج أو السجلات الخاصة به.
ومن المهم أيضًا ضبط الإصدارات حتى يستطيع المستخدم معرفة النسخة الحالية المعتمدة، وتجنب استمرار العمل بنسخ قديمة بعد تحديث الوثائق.
8. نشر الدليل وبدء التطبيق
لا تتحول الوثيقة إلى ممارسة فعلية بمجرد اعتمادها. لذلك يحتاج الموظفون المعنيون إلى معرفة ما تغير، وأين يمكنهم الوصول إلى السياسات والإجراءات، وما المطلوب منهم عند تنفيذ العمليات.
ويختلف أسلوب التطبيق حسب حجم التغيير؛ فقد يكفي التعريف بالإجراء الجديد في بعض الحالات، بينما تحتاج الإجراءات الأكثر تعقيدًا إلى تدريب أو شرح عملي قبل بدء العمل بها.
المهم أن تكون النسخة المعتمدة متاحة لمن يحتاج إليها، وألا يعتمد الموظفون على نسخ شخصية أو تعليمات قديمة.
9. متابعة التطبيق والمراجعة والتحديث
بعد بدء التطبيق تظهر أحيانًا ملاحظات لم تكن واضحة أثناء مرحلة الصياغة، مثل خطوة تسبب تأخيرًا، أو مسؤولية غير واضحة، أو نموذج لا يوفر المعلومات المطلوبة.
لذلك تحتاج المنشأة إلى استقبال الملاحظات ومراجعة فاعلية الإجراءات وتحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى تعديلها.
كما تتم مراجعة الوثائق عند حدوث تغيرات مؤثرة في العمليات أو الهيكل التنظيمي أو الأنظمة والمتطلبات المرتبطة بنشاط المنشأة، مع توثيق التعديلات وإصدار النسخة المحدثة.
ما الذي يتضمنه دليل السياسات والإجراءات؟
يختلف شكل الدليل بحسب احتياجات المنشأة، لكن التنظيم الجيد يساعد المستخدم على الوصول إلى المعلومة التي يحتاج إليها دون البحث بين مستندات متفرقة.
ويمكن أن تتضمن الوثيقة الواحدة عددًا من العناصر الأساسية:
| العنصر | ما الذي يوضحه؟ |
| اسم ورقم الوثيقة | تحديد السياسة أو الإجراء وسهولة الرجوع إليه |
| الغرض | الهدف الذي أُعدت الوثيقة من أجله |
| نطاق التطبيق | الإدارات أو الأشخاص أو الحالات التي تشملها |
| التعريفات | توضيح المصطلحات التي تحتاج إلى تفسير |
| المسؤوليات والصلاحيات | تحديد أدوار الأطراف المرتبطة بالعملية |
| السياسة | الضوابط والمبادئ التي تحكم الموضوع |
| الإجراء | تسلسل خطوات التنفيذ |
| النماذج والسجلات | الوثائق المستخدمة أو الناتجة عن العملية |
| المراجع | الوثائق أو المتطلبات المرتبطة عند الحاجة |
| بيانات الاعتماد والإصدار | توثيق النسخة وتاريخ الاعتماد والتعديل |
كيف يساعدك مستشار متخصص في إعداد السياسات والإجراءات؟
يمكن للمنشأة إعداد بعض السياسات والإجراءات داخليًا، لكن الاستعانة بمستشار متخصص تكون أكثر فائدة عندما تتعدد الإدارات والعمليات، أو تتداخل المسؤوليات، أو تحتاج الأدلة الحالية إلى إعادة تنظيم وتطوير، وتتمثل القيمة التي يضيفها المستشار في:
- تقديم رؤية محايدة للعمليات الحالية: تساعد على اكتشاف الفجوات والتداخلات التي قد يصعب ملاحظتها عند الاعتماد على الممارسة اليومية داخل المنشأة.
- الربط بين الإدارات والعمليات: لفهم انتقال العمل والمسؤوليات بين الأطراف المختلفة، بدل إعداد كل سياسة أو إجراء بمعزل عن بقية العمليات.
- تحويل الممارسات الفعلية إلى إطار منظم: بحيث تعكس السياسات والإجراءات واقع المنشأة، مع معالجة الخطوات غير الواضحة أو الممارسات التي تحتاج إلى تطوير قبل توثيقها.
- تحقيق الاتساق بين الوثائق: لتقليل التعارض بين السياسات والإجراءات والصلاحيات والنماذج المستخدمة داخل الإدارات المختلفة.
- اختيار مستوى التوثيق المناسب: بحيث يكون الدليل واضحًا بما يكفي لتنظيم العمل دون إضافة تفاصيل غير ضرورية تجعل استخدامه أكثر تعقيدًا.
- بناء دليل قابل للتطوير: من خلال تنظيم الوثائق بطريقة تسهّل مراجعتها وتحديثها عند تغير العمليات أو الهيكل أو احتياجات المنشأة.
وتزداد أهمية الخبرة المتخصصة عندما يكون المشروع واسع النطاق أو يشمل عدة إدارات؛ لأن التحدي عندها لا يكون في كتابة كل وثيقة على حدة، بل في بناء دليل سياسات وإجراءات مترابط يمكن تطبيقه وإدارته وتطويره مع نمو المنشأة.
وتساعد DMC المنشآت في إعداد وتطوير السياسات والإجراءات من خلال فهم طبيعة العمل والعمليات القائمة، ثم تنظيمها وتوثيقها بما يوضح المسؤوليات وآليات التنفيذ ويساعد على بناء دليل يتناسب مع احتياجات المنشأة. كما يمكن مراجعة الأدلة القائمة وتطويرها عندما لا تعود متوافقة مع طريقة العمل الحالية.
ومن خلال خدمات تطوير الأعمال وإعادة الهيكلة، يمكن ربط تطوير السياسات والإجراءات بالعمليات والهيكل الإداري للمنشأة، بما يساعد على بناء منظومة عمل أكثر وضوحًا وقابلية للتطبيق، ابدأ في تطوير سياسات وإجراءات منشأتك.
الأسئلة الشائعة حول إعداد السياسات والإجراءات
هل يمكن استخدام نموذج جاهز لدليل السياسات والإجراءات؟
يمكن الاستفادة من النموذج الجاهز لتحديد شكل الوثيقة والعناصر التي تحتاج إلى تنظيم، لكنه لا يصلح عادة للاستخدام كما هو. فاختلاف نشاط المنشأة وهيكلها ومسؤوليات الإدارات وطريقة تنفيذ العمليات يتطلب تكييف السياسات والإجراءات مع واقع العمل، وليس مجرد تعبئة نموذج موحد.
من المسؤول عن اعتماد السياسات والإجراءات داخل المنشأة؟
يختلف ذلك بحسب الهيكل التنظيمي ومستويات الصلاحيات في كل منشأة. فقد تكون صلاحية الاعتماد لدى الإدارة العليا أو المدير المسؤول أو لجنة مختصة بحسب نوع الوثيقة وأثرها. المهم أن تكون جهة الاعتماد محددة بوضوح، وأن يتم توثيق النسخة المعتمدة وتاريخ سريانها.
هل تحتاج كل إدارة إلى دليل سياسات وإجراءات مستقل؟
ليس بالضرورة. يمكن أن يكون لدى المنشأة دليل موحد مقسم حسب الإدارات أو العمليات، أو عدة أدلة متخصصة عندما يكون حجم العمليات كبيرًا. يعتمد الاختيار على حجم المنشأة وطبيعة أنشطتها وعدد الوثائق وسهولة إدارتها والوصول إليها.
